تحديد أوائل الشهور القمرية

رؤية علمية شرعية

- يشغل بال الكثيرين منا ذلك الأمل في الوصول إلى منهج واحد لتحديد أوائل الشهور القمرية ، يلقى بينهم القبول ، ويرفع أسباب النزاع . وإن تعذر ذلك فلا أقل من الوصول إلى تفسير لأسباب التباين ، بما لا يجافي حقائق العلوم ولا قواعد الشريعة . وموضوع هذا الكتاب يستهدف تحقيق هذين الأمرين : تقديم المنهج ، وتفسير أسباب الإختلاف .

- وتسهدف هذه الدراسة محاولة تقديم الرؤية العلمية والشرعية للقضية في حيادية تامة وموضوعية مطلقة ، إيمانا بأن هذا المنهج هو ما تقتضيه أمانة البحث ، كما أنه وحده كفيل بتحقيق وحدة الصف وائتلاف المسلمين ، فالحق أحق أن يتبع .

- ومع أن منهج البحث قام على الإستقصاء العلمي والشرعي المجردين للقضية ؛ فإن الباحث لم يغفل أن يشير إلى ما تقتضيه اعتبارات السياسة الشرعية والموازنات بين المصالح والمفاسد - كالحرص على جمع كلمة المسلمين ، وكون القضية من قضايا النظر والإجتهاد التي يجمل فيها السعة والتغافر ، وأنه ينبغي أن يكون الحرص فيها على تجنب الفرقة والتخاصم - خاصة بين أهل المدينة الواحدة أو المصر الواحد - مقدما على إصابة الأصوب والأرجح .

- يرى الباحث أنه لو ثمّ مراعاة لاعتبارات السياسة الشرعية وموازناتها التي تقتضيها ظروف الواقع ، فإنها ستكون حتما مؤقتة حتى يشيع العلم بالأصوب والأثبت . ويؤمل أن تكون ظروف واقعنا الآن قد تجاوزتها ، ومن ثم تنتقل نتائج هذا البحث إلى واقع القبول والتطبيق .

- لقد عرضت هذه الدراسة قبل نشرها على فريق من العلماء الشرعيين والعلميين ، وعقدت لدراستها عدة ندوات حرصا على التسديد والترشيد . والله تعالى من وراء القصد .  

مقدمـة

 الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدرة تقديرا ، والصلاة والسلام على نبي الهدى المبعوث رحمة للعالمين محمد ، وعلى آله وصحبه ، وعلى كل من جاهد نفسه أن يستن بسنته ويهتدي بهديه إلى يوم الدين .

وبعد .. فإنه مما يشغل بال الكثيرين منا ذلك الأمل في الوصول إلى منهج واحد لتحديد أوائل الشهور القمرية ، يلقى بينهم القبول ، ويرفع أسباب النزاع . وإن تعذر ذلك فلا أقل من الوصول إلى تفسير لأسباب التباين ، بما لا يجافي حقائق العلوم ولا قواعد الشريعة . وموضوع هذا البحث يستهدف تحقيق هذين الأمرين : تقديم المنهج وتفسير أسباب الإختلاف .

ولقد عرضت هذه الدراسة على فريق من العلماء الشرعيين والكونيين - أي الفلكيين - حتى تستوفي كلّ أسباب الترشيد ، وسنرفق مع الدراسة أسماء من تفضلوا بالمراجعة مع نشر ما وافونا به ، سواء ما كان منها تعضيدا أو استدراكا . ويرفق بالكتاب أيضا الآراء أو التوصيات التي أوردها المشاركون في الندوات التي عقدت لمناقشة موضوع هذه الدراسة .

وحيث أن طبيعة هذا البحث ذات شقين : شرعي وعلمي ، فلقد حرصت على أن تكون لغة البحث الفقهية ميسّرة ، لتكون في متناول العلميين الذين لم تتح لهم فرصة التمرس على المصطلحات الفقهية ، وأن تكون اللغة العلمية ميسّرة ، لتكون في متناول الشرعيين الذين لم تتح لهم فرصة التمرس على المصطلحات الفلكية أو الجغرافية . فإذا وجد الشرعيون تفصيلا في مواضع يغني عنها ما أجمل فما عليهم إلا التجاوز إلى الجديد ، وإذا وجد العلميون تفصيلا في مواضع لما أجمل في مواضع أو لما هو لهم معلوم ، فما عليهم إلا التجاوز إلى الجديد . وإن كنت أرجو أن يوسع الفريقان من وقتهم ما يمنكنهم من قراءة البحث كاملا ، فهذه قضية للتاريخ جديرة باهتمام الجميع . كما أن نصح الفريقين للباحث - في الجانبين الشرعي والعلمي - سيثمر بلا شك إثراءا وترشيدا .

وأود أن ألفت النظر إلى أن بعض المصطلحات العلمية أو الجغرافية قد اجتهدت في ترجمتها إلى العربية كالخط العالمي للتأريخ International Date Line ، ومسميات أوجه القمر في مراحله المختلفة ، ولم أقف على ما تبنته فيها المجامع اللغوية العربية ، إذ ربما يطلق على نفس المصطلح مسمى آخر ، فليتنبه القارئ إلى هذا الإحتمال .

وتسهدف هذه الدراسة محاولة تقديم الرؤية العلمية والشرعية للقضية في حيادية تامة وموضوعية مطلقة ، إيمانا منا بأن هذا المنهج هو ما تقتضيه أمانة البحث ، كما أنه وحده كفيل بتحقيق وحدة الصف وائتلاف المسلمين ، فالحق أحق أن يتبع .

وهذا المنهج يعني أيضا أنني لم أوجه إلى ما تقتضيه اعتبارات السياسة الشرعية والموازنات بين المصالح والمفاسد اعتبارا مباشرا -دون أن يعني منهجي توهينا لشأنها - كالحرص على جمع كلمة المسلمين ، وكون القضية من قضايا النظر والإجتهاد التي يجمل فيها السعة والتغافر ، وأنه ينبغي أن يكون الحرص فيها على تجنب الفرقة والتخاصم - خاصة بين أهل المدينة الواحدة أو المصر الواحد - مقدما على إصابة الأصوب والأرجح . لم أوجه لهذه الجوانب اعتبارا إلا فيما أشرت إليه في خلاصة البحث . فمنهجنا في البحث إذن قام على الإستقصاء العلمي والشرعي المجردين للقضية ، ثم بعد وضوح القضية وتجريدها وتحديدها يأتي دور السياسة الشرعية وموازناتها التي تقتضيها حسب ظروف الواقع ، هذا إذا وجد في الظروف المعاصرة ما يستوجب ذلك ، والتي ستكون حتما مؤقتة حتى يشيع العلم بالأصوب والأثبت . وإني لأؤمل أن تكون ظروف واقعنا الآن قد تجاوزتها ، ومن ثم تنتقل نتائج هذا البحث بعد الدراسة والتمحيص إلى واقع القبول والتطبيق .  هذا .. وبالله تعالى التوفيق .

 

 

                                    مصطفى عبد الباسط أحمد

                                    فيلا نوفا - بن سلفانيا

                                          الإثنين 4 من شوال لسنة 1422 هـ

                                    الموافق 25 من فبراير لسنة 2002 م

   

     

 



 
Copyright © 2003 The Foundation for Islamic Education
Email: webmaster@fiesite.org
-----------